استطلاع...“جيل Z” في مرآة الرأي العام: المغاربة بين الإحباط والإصلاح ورغبة التغيير

استطلاع...“جيل Z” في مرآة الرأي العام: المغاربة بين الإحباط والإصلاح ورغبة التغيير
استطلاع...“جيل Z” في مرآة الرأي العام: المغاربة بين الإحباط والإصلاح ورغبة التغيير

أبرزت دراسة ميدانية أنجزتها مؤسسة H-in-Q في إطار استطلاع للرأي، ونشرت مجلة «لسان المغرب» نتائجها التفصيلية في عددها الأخير، صورة مركّبة لمواقف المغاربة من الاحتجاجات الشبابية التي عُرفت باسم حراك “جيل Z”، والتي عرفها المغرب في أواخر شهر شتنبر.

وتشير معطيات الدراسة إلى أن هذا الحراك حظي، خلال فترة إنجاز الاستطلاع، بدعم شعبي واسع تجاوز في المتوسط العام عتبة النصف، ما يعكس حضورًا قويًا لفكرة الاحتجاج داخل الوعي الجماعي، حتى خارج دوائر المشاركة المباشرة.

كما أظهرت النتائج أن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان في 10 أكتوبر 2025 خلّف أثرًا ملموسًا في اتجاهات الرأي العام، رغم أنه لم يتناول الاحتجاجات بشكل مباشر. فقد سُجّل، عقب الخطاب، تراجع نسبي في مستوى دعم الحراك، ترافق مع انخفاض حدّة المطالب بإسقاط الحكومة، وتراجع تعليق آمال التغيير على الشباب وحدهم، مقابل ارتفاع في القبول بفكرة انتظار الاستحقاقات الانتخابية باعتبارها المسار المشروع للتغيير السياسي.

غير أن هذا التحول لم يكن دائمًا، إذ عادت المؤشرات، بعد مرور نحو خمسة أيام، إلى الاقتراب من مستوياتها السابقة، ما يوحي بأن تأثير الخطاب كان رمزيًا ومؤقتًا أكثر منه تحوّلًا عميقًا في البنية السياسية للمواقف.

ومن خلال تحليل أجوبة المشاركين، الذي أشرف عليه إدريس الفارسي، وشمل عيّنة تمثيلية من المجتمع المغربي بين 5 و27 أكتوبر، يتضح أن المجتمع المغربي لا ينقسم ببساطة إلى مؤيدين ومعارضين، بل يتوزع على سبعة أنماط من المواقف السياسية، يمكن تجميعها في أربعة أقطاب كبرى، ما يسمح بقراءة الواقع السياسي المغربي بوصفه فسيفساء معقّدة، لا كتلة متجانسة.

خريطة الأقطاب السياسية

يمثل القطب الأول شريحة واسعة من المغاربة الذين يعانون ما يمكن تسميته بـالإرهاق السياسي. وهو إرهاق ناتج عن فقدان الثقة في الفاعلين والمؤسسات، لا يصل بالضرورة إلى القطيعة، بل يترجم إلى نوع من التعايش مع الواقع، وتفضيل الاستقرار في حدود الممكن. هذا القطب لا يعادي الاحتجاج من حيث المبدأ، لكنه لا يثق في قدرته على إحداث تغيير فعلي، ويميل إلى التردد باعتباره موقفًا اجتماعيًا قائمًا بذاته.

أما القطب الثاني فيعكس رؤية قانونية–تكنوقراطية للسياسة، تضع النظام والفعالية في مقدّمة الأولويات. فرفض الاحتجاج هنا لا ينبع من رفض المطالب، بل من الخشية من اختلال الاستقرار، ومن قناعة بأن التغيير يجب أن يمر عبر مؤسسات الدولة وأدوات الضبط، لا عبر الشارع. ويُظهر هذا القطب ثقة أكبر في الإدارة والقانون، مقابل تحفظ واضح تجاه السياسة كصراع وتنافس.

ويأتي القطب الثالث ليجسد نزعة تغييرية أكثر تركيبًا، تجمع بين الإيمان بالإصلاح التدريجي والطموح إلى تحول أعمق في النموذج السياسي والاجتماعي. فأنصار هذا القطب يرون في الاحتجاج وسيلة ضغط مشروعة لتوسيع هوامش الممكن، ويرفضون اختزال الإصلاح في حلول تقنية أو إدارية تُبقي جوهر السلطة على حاله. ويبرز داخل هذا القطب سؤال من يملك قرار التغيير، وكيف تُدار السلطة، وكيف يُعاد توزيع الثقة والمسؤولية.

أما القطب الرابع، ورغم محدودية حجمه، فيكتسب دلالة خاصة، لأنه يمثل موقف الولاء الكامل، حيث يُنظر إلى الاستقرار بوصفه قيمة عليا تتقدّم على المساءلة أو التداول. وغالبًا ما يتغذّى هذا الموقف من الخوف من الفوضى أو من تصور وطني يجعل الحفاظ على الوضع القائم أولوية قصوى.

التغيير الجذري بين الصعود والانكفاء

وعند التوقف عند مسألة التغيير الجذري للنظام السياسي، تكشف الدراسة عن موقف متذبذب وغير حاسم. فهذه الفكرة تشهد ارتفاعًا في بعض اللحظات، ثم تتراجع بشكل حاد في لحظات أخرى، ما يعكس مجتمعًا لم يحسم خياره النهائي، بل يتأرجح بين الرغبة في تحول عميق، وتفضيل مسارات أقل كلفة ومخاطرة، بحسب السياق والشعور بالانسداد أو الانفراج.

وفي السياق ذاته، رُصد بعد الخطاب الملكي ارتفاع ظرفي في الدعوة إلى إيقاف المظاهرات، وهو خيار كان هامشيًا قبل ذلك، قبل أن يتراجع لاحقًا ويستعيد طابعه العابر.

كما بيّنت النتائج أن الرأي العام، رغم دعمه المبدئي للاحتجاج، يتأثر بشكل واضح بتدخل السلطة الرمزية، إذ ارتبط الخطاب الملكي بانخفاض مؤقت في دعم المظاهرات، وبتحسّن نسبي في تقييم أداء الحكومة والأجهزة الأمنية، وتراجع تحميل قوات الأمن مسؤولية العنف، قبل أن تعود المؤشرات إلى التذبذب مع تغيّر الوقائع والسرديات المتداولة.

اليأس كعامل جامع

وتشير الدراسة إلى أن العوامل الطبقية والديموغرافية لا تحدد المواقف بشكل صارم، لكنها تؤثر فيها. فالفئات الأكثر يسارًا اقتصاديًا تميل أكثر إلى خطاب الولاء والاستقرار، بينما تميل الطبقات الوسطى إلى التغيير، في حين تعبّر الفئات الشعبية عن مشاعر خيبة ولاجدوى، تعكس هشاشة الأمان الاقتصادي وضعف فرص الصعود الاجتماعي.

كما يلعب العمر دورًا حاسمًا: فالأكبر سنًا أقرب إلى خطاب النظام، والأعمار المتوسطة أكثر استعدادًا للتغيير، بينما يميل الشباب الأصغر إلى التذمر والانسحاب، بوصفهما تعبيرًا عن رغبة في التغيير لا تجد مسارًا مؤسسيًا واضحًا. وتظهر النساء، بدورهن، أكثر ميلاً إلى قطب الخيبة، في ضوء ارتفاع كلفة التعبير والمخاطر المرتبطة بالمشاركة في الفضاء العام.

في المحصلة، لا يقدّم هذا الاستطلاع قياسًا تقنيًا لموقف من احتجاج عابر، بل يرسم خريطة دقيقة للمزاج السياسي المغربي: مجتمع يدعم الاحتجاج من حيث المبدأ، يفاوض باستمرار بين الاستقرار والتغيير، ويتأثر بالتدخلات الرمزية دون أن يحسم أسئلته الكبرى. وبين هذه التوترات، يتحول حراك “جيل Z” إلى مرآة تعكس عمق القلق السياسي، وحدود الإصلاح، واستمرار السؤال المفتوح حول المستقبل.

المصدر: جريدة صوت لمغرب

تعليقات